شبابي اجتماعي ثقافي علمي


    ملامح الصراع المعاصر

    شاطر

    مهند الباشا
    Admin

    عدد المساهمات : 115
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 09/04/2010
    العمر : 28

    ملامح الصراع المعاصر

    مُساهمة  مهند الباشا في الإثنين أبريل 19, 2010 6:02 pm

    الرؤية الاجتماعية في الصراع المسرحي:


    وافتقاد الصراع المسرحي أو تراخيه أو غموض أطرافه هو الداء العضال الذي وقعت الكتابة المسرحية العربية في براثنه منذ بداية تسعينات القرن العشرين. وهو أحد الأسباب الأساسية في غياب النصوص العربية عن خشبة المسرح وفي تناسي المخرجين لها. ونعترف أن هذا الوقوع كان نتيجة منطقية لمعطيات العصر الحاضر. ذلك أن الصراع المسرحي لا يتحول إلى براعة فنية إلا إذا كان مدعوماً برؤية اجتماعية واضحة.

    إن الأدب في جميع أشكاله كان وما يزال صورة عن الواقع الاجتماعي لا في حالته السكونية بل في حركته المتطورة المتغيرة. وأعظم الآثار الأدبية كُتبت في فترات الانقلابات الكبيرة التي كانت تعصف بمجتمعاتها وتنتقل بها من حال إلى حال. وفي هذه الفترات كان الأدب المسرحي أقدرَها على تصوير المجتمعات في حركتها الانقلابية تلك. وفي مثل هذه المنعطفات كانت قوى المجتمع دائماً تتصارع بين قديم يحاول أن يتشبث بالبقاء وبين جديد يحاول أن يفرض نفسه نهجاً جديداً في الحياة. وفي مثل هذا الصراع الاجتماعي الكبير يصبح الصراع المسرحي قوياً بقدر قوة صراع القوى في المجتمع. ولنتذكر نصوص شكسبير وموليير وراسين وإبسن وبريخت وغيرهم من الكتاب المسرحيين الذين امتازوا بقوة الصراع المسرحي رغم انتماء هؤلاء إلى مدارس وعصور ومجتمعات مختلفة. لكنهم جميعاً عاشوا في فترات انقلابية اقتصادياً واجتماعياً. ولنتذكر أيضاً النصوص العربية التي كتبت منذ بداية المسرح العربي حتى نهاية منتصف عقد ثمانينات القرن العشرين. فقد كُتِبت هذه النصوص في فترة معاركة الاستعمار في النصف الأول من القرن العشرين، وفي فترة معاركة أوضاع التخلف والاستبداد والاستغلال التي أعلنت الثورات العربية لواء الحرب عليها في نصفه الثاني. وامتازت هذه النصوص بقوة واضحة في صراعها المسرحي. وإذا كانت نصوص النصف الأول من القرن العشرين تخسر الكثير من عناصر الكمال الفني، فإنها جميعاً كانت تمتاز بوضوح كفتي الصراع فيها وبقوة المجابهة بين هاتين الكفتين لأن الكتاب المسرحيين الذين كانوا يجهلون الكثير عن عناصر وأركان التأليف المسرحي، كانوا يدركون - بحسهم الفطري - أن الصراع هو الجوهري في المسرح وأنه الحامل لأفكارهم وشريكُهم في معاركهم السياسية والفكرية. أما نصوص النصف الثاني من القرن المذكور فقد استكملت عناصر البناء الفني التي كان الصراع واحداً من أبرزها وأقواها. وكان دائماً صراعاً ضارياً عنيفاً. فكأن وضوح الصراع الاجتماعي يعطي وضوحاً في الصراع المسرحي. وكأن قوة الصراع الاجتماعي تعطي قوة في الصراع المسرحي. وبذلك نصل إلى النقطة الجوهرية في صناعة المسرح على الخصوص وهي أن بناء الصراع المسرحي ليس جانباً فنياً يبرع فيه الكاتب، بل هو أيضاً رؤية واعية لحركة المجتمع. وعندما تغيم الرؤية الاجتماعية يتخاذل الصراع المسرحي فيفقد شروطه الثلاثة كلها دفعة واحدة. وها هي النصوص المسرحية العربية اليوم يكتبها كتاب ملكوا ثقافة عالية في أركان التأليف المسرحي. وعرفوا قيمةَ وأثرَ الصراع في بناء المسرحية. لكن صراعهم يتخاذل ويضعف لأن الواقع العربي اليوم غائم الملامح. صحيح أن لـه أهدافه الواضحة المتمثلة في بناء مستقبل مشرق يعيش فيه الإنسان العربي بكرامة المواطن وعزة الوطن، لكن الطريق إلى تحقيق هذه الأهداف غامضة. وبذلك يتحول الحلم الواضح في الذهن والخيال إلى هيولى الواقع وضبابية المنظور. فيقف الأديب حائراً إلى أين يوجه خطوات ما يكتب حين ينشد الشعر أو يحكي الرواية أو يصور الأحداث في المسرحية. وإذا كان الشعر يقع في الفتور مع غياب الرؤية، وتتحول الرواية إلى سرد مع ضبابية النظرة، فإن المسرحية تفقد قوة الصراع المسرحي. وسوف نعود إلى هذه النقطة عند مناقشة (الموضوع في المسرح)

    إن الصراع المسرحي المتقن المتصاعد هو روح المسرحية. فإذا وجد هذا الصراع القوي في نص ما فسوف تتهافت الفرق المسرحية عليه. وسوف يحتل مكانته رغماً عن الجميع، شريطة أن يحمل رؤية اجتماعية صحيحة يجد فيها القارئ أو المتفرج نفسه وعصره لا في حالته السكونية الحالمة العاجزة عن تحقيق الحلم، بل في حالته المتحركة الفاعلة في تحقيق الحلم.

    ملامح الصراع المعاصر


    ولكن.. ما هي الصيغة البنائية التي يمكن أن يستقر عليها الصراع المسرحي في النصوص التي يكتبها أو سيكتبها الكتاب العرب اليوم وفي العالم؟ هل يمكن التخلي عن أحد شروطها أو خصائصها مع قولنا إن الصراع المسرحي هو الركن الوحيد الذي لم تتغير شروطه وخصائصه، ورغم قولنا إن التعديلات الذي حدثت عليه في القرن العشرين لم تخرج به ركناً أساسياً في النص المسرحي؟

    للإجابة على السؤال نذهب إلى الموسيقى ففيها مفتاح الدخول إلى الصراع اليوم.

    يذكر علماء الموسيقى العربية أن ضروبها الإيقاعية تزيد عن سبعين ضرباً. منها الطويل البطيء مثل (المحجَّر) ووزنه 14 على 4، و(السماعي الثقيل) ووزنه 10 على 8. ويفتخر هؤلاء العلماء بهذا الرقم الكبير للإيقاعات العربية التي يزيدها البعض إلى أكثر من هذا الرقم. وكان الكثير من هذه الإيقاعات مستخدماً في الموسيقى العربية في بداية القرن العشرين. وكان بطؤها وتنوعها يخلقان نشوة الطرب الأصيل الذي ما نزال نتغنى به. لكن الإيقاعات البطيئة الطويلة بدأت تنحسر عن الألحان منذ منتصف القرن العشرين لأن طولها وبطأها صارا مملين. وحافظ الموسيقيون على نوع متوسط البطء والطول مثل (المصمودي) ووزنه 4 على 4. فلما عصفت السرعة بالموسيقى في السنوات الأخيرة، انحسرت جميع الإيقاعات الطويلة ونصف الطويلة. وهرع الموسيقيون إلى الإيقاعات السريعة التي تشكل (الوحدةُ القصيرة) عمادَها الأساسي. وأضاف الموسيقيون إيقاعاتٍ غربيَّة أشد سرعة وصخباً. ورغم كل مناداة المفكرين بالعودة إلى الأصالة العربية في الموسيقى وإلى التراث الغني، فإن الإيقاعات السريعة العنيفة تجتاح الموسيقى المعاصرة لأنها تلبي سرعة العصر واختصار الزمن فيه. ولو تجرأ أحدهم على العودة إلى الإيقاعات الطويلة البطيئة أو نصف الطويلة لما لقي إلا الإهمال والتثاؤب والملل. وأعتقد أن الإيقاعات الطويلة اندثرت في هذا العصر ولم يعد من الممكن إحياؤها مهما صرخ عتاة الموسيقى والمدافعون عن أصالة الموسيقى العربية. فلن يكسبوا من وراء ذلك إلا أن يجرحوا أصواتهم التي يطلقونها في صحراء فارغة.

    إن الصراع المسرحي لا يتغير. وأشكالُه موجودة معروفة. لكن بعض أشكاله بدأت تندثر. وعلى الكتاب أن يتجنبوها كما يتجنبون الداء العضال. فالصراع الساكن الهادئ العميق الذي بُنيت عليه مسرحيات تشيخوف مثلاً، صار السيرُ على منواله سقماً ومللاً. وإذا كانت إنكلترا وأمريكا قد افتُتِنت بهذا الصراع مع بداية القرن العشرين ونهجت على منواله في نصوص الواقعية الأمريكية، فإن الصراع في هذه المسرحيات لا يقل إملالاً عنه في مسرحيات تشيخوف. ولا يعني هذا طعناً بمسرحيات الصراع الساكن أو انتقاصاً من قيمته. لكن هذا النوع صار مثل إيقاعات الموسيقى العربية البطيئة التي هجرها العصر الحديث وتجنبها الموسيقيون لكي يملؤوا موسيقاهم بالسرعة والصخب. ولا يعني هذا أيضاً إلغاءَ هذا الصنف من الصراع وإلا كان ذلك سخفاً وجهالة. فلا يمكن لأحد أن يلغي نوعاً من الصراع قامت عليه نصوص عظيمة ويمكن أن تقوم عليه نصوص عظيمة. ولا يعني هذا أيضاً ثانياً أن نفرض على كتاب المسرح أساليب معينة في الكتابة وإلا كان ذلك أشد سخفاً وجهالة. وإنما يعني أن على الكاتب أن يعرف نبضَ العصر الذي يعيش فيه، وأن يدرك مكامن الإثارة النفسية والعاطفية والفكرية التي تشحذ عقل المتلقي وقلبه. وبما أن نبض العصر اليوم سريع حاد، فلا سبيل أمام الكاتب في الساعة ونصف الساعة التي هي الزمن المتاح لـه، إلا أن يكون صراعه سريعاً حاداً كأنه الشهاب الناري.

    وإذا كان على الكتاب أن يتجنبوا الصراع الساكن الهادئ، فإن عليهم أن يتجنبوا (التلكؤ) في إدارة الصراع. فالكتاب المسرحيون - فيما سبق تسعينات القرن العشرين - كانوا يتمهلون في بعض المشاهد لإلقاء بعض الأفكار. فكان الصراع يتوقف عن الصعود الحاد. وكان ذلك أمراً مرغوباً في المسرح. أما اليوم، فإن هذا التمهل صار تلكؤاً. وصار هذا التلكؤ أحد مقاتل النصوص المسرحية. أما أفكارهم وتوجهاتهم فيجب أن تأتي من خلال حرارة الصراع نفسه. وسوف نقف عند هذه النقطة وقفة أطول فيما يأتي من البحث.

    وهنا نصل إلى قضية كانت مؤرقة لنقاد المسرح وللكتاب على حد سواء وهي قضية (الميلودراما) في الصراع المسرحي. فقد اتفق أكثر النقاد على رفضها، واتهموها بأنها (إثارة عنيفة للعواطف). وبأنها (عندما تطرح صورة الرذيلة والشر في المجتمع فإنها لا تقدم أية تفسيرات لهما. وتربط زوالهما بتدخل العناية الإلهية أو بالقدرات الفردية للبطل. وقد اعتبر الفيلسوف الألماني كارل ماركس الميلودراما اختراعاً قدمته البرحوازية للشعب، تماماً كما قدمت لـه الملاجئ الخيرية ووجبة الحساء اليومية).([6]) وعدوها نوعاً كريهاً في المسرح، وطلبوا من الكتاب أن يتجنبوها، ووصموا المسرحيات التي تقوم عليها بالضعف في أكثر الأحيان.

    أما أنها إثارة عنيفة للعواطف فأمر صحيح. وأما أنه مضى عليها ردح من الزمن كانت عليه كما وُصفت فأمر صحيح أيضاً. وأما أنها نوع كريه في المسرح فأمر باطل. وأما أن الكتاب تجنبوها فأمر لم تثبت صحته. وأما أن المسرحيات التي تقوم عليها ضعيفة فأمر ثبت عكسه. وأما أنه يُطلَب أن نستخدمها أسلوباً حيوياً في الصراع بعد أن نخلصها من عيوبها ونحافظ على حسناتها، فأمر سيجد الكتاب أنفسهم مرغمين عليه لأنه الملاحة والإثارة من ناحية، ولأنها إسراع في احتدام الصراع من ناحية ثانية.

    إن كبريات المسرحيات قامت على الإثارة العنيفة للعواطف. وماذا نسمي المبارزات وجرائم القتل التي احتشد بها مسرح شكسبير؟ أليست لحظةُ شرب روميو للسم بعد ظنه بموت جولييت أقصى درجةٍ من لحظات إثارة العواطف بالعنف؟ أليس إلقاءُ الأحجار على بيت الدكتور ستوكمان في مسرحية إبسن (عدو الشعب) من أرهف لحظات إثارة العواطف بالعنف؟ أليست لحظة قراءة الرسالة التي على رأس المملوك جابر ثم قطع هذا الرأس واحدةً من اللحظات الفريدة في المسرح العربي؟

    إن الميلودراما المفترى عليها واحدةٌ من أمضى أسلحة الكاتب المعاصر. ففي عصر الإثارة بملاحقة السيارات في الأفلام والسينما وبأمثالها من مواقف التوتر النفسي والعاطفي فيما حولنا من ظروف العصر، تصبح الميلودراما ملحَ المسرح. وقد آن الأوان لنرد للميلودراما مكانتها في النقد. خاصة وأن الكتاب استخدموها بشراهة فيما مضى من تاريخ المسرح. وآن أن نعلن عن تلذذنا بها وأن نحثَّ الكتاب عليها. فهي الفتنة والإثارة. وهي التشويق الممتع. وهي لحظات التجلي الأكبر للعواطف حين يحتدم الصراع بين النوازع الدفينة في نفوس البشر. وأعتقد أن خلو النصوص المسرحية العربية من الصراع القوي ومن اللحظات الميلودرامية فيه، كان ذا أثر كبير في ضعف هذه النصوص. وأعتقد أن العودة إلى الصراع القوي بإثارته العنيفة للعواطف سوف يعيد إليه مكانتها السابقة على خشبات المسارح.

    لكن الميلودراما لا تصبح سلاحاً ماضياً في يد الكاتب إلا إذا تجنب النوع الكريه منها وهو القفز إليها بغية الإثارة الفارغة. وليس المقصود منها أن يلجأ الكاتب إلى ما يشبه ألاعيب السينما، بل أن يستفيد الكاتب من قدرتها على الإثارة وأن يأتي بها مقنعة للمتلقي في تسلسل الوصول إليها. فإن القفز إليها دون تمهيد يدعو إلى السخرية لأنه افتعال إذ تصبح حدثاً لا مسوغ له.

    إن قراءة المسرحية أو مشاهدتها يجب أن تكون شيئاً ممتعاً يدفعنا إلى ارتياد المسرح بتشوق. ولن يتحقق لـه هذا التشويق إلا بإدارة صراع مثير يلهب العواطف ويحرك العقول ويرعش القلوب. والصراع المسرحي هو المفتاح لذلك دون أن ينسى الكاتب أن كل وسائل الإثارة والفتنة لدى القارئ أو المشاهد لا بد أن توضع في شكل فني يقدم رؤية فكرية للمجتمع. فبهذه الطريقة يتكامل شِقّا الصراعِ بأنه براعة فنية ورؤية اجتماعية.

    إن كتاب المسرح اليوم هم أبناء هذه المرحلة بأحلامها وعجزها، بطموحها وضبابيتها. فعليهم، إذا أرادوا أن يكتبوا النص المسرحي القوي، أن يعيدوا النظر لا بمعرفتهم المتينة لعناصر التأليف المسرحي فحسب، بل وبفهمهم للمجتمع وبمعرفتهم للقوى الفاعلة فيه. وعليهم أن يكونوا هداةَ الناس في حياتهم. وعليهم أن يضيئوا للناس طريق مستقبلهم. وبكلمة موجزة: أن يكونوا الشاهد على العصر كما كان الكتاب المسرحيون قبلهم.



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) - كتاب (نشوء الرواية) تأليف "إيان واط" ترجمة عبد الكريم محفوض. إصدار وزارة الثقافة – دمشق – 1991.

    ([2]) - كتاب (من تاريخ الرواية) تأليف حنا عبود. إصدار اتحاد الكتاب العرب – دمشق – 2002- ص 8.

    ([3]) - كتاب (تاريخ الرواية الحديثة) تأليف ر. م. ألبريس. ترجمة جورج سالم منشورات بحر المتوسط وعويدات - 1982

    ([4]) - كتاب حنا عبود (من تاريخ الرواية) ص 11.

    ([5]) - (إعداد الدور المسرحي) تأليف قسطنطين ستانسلافسكي - ترجمة الدكتور شريف شاكر. إصدار وزارة الثقافة - دمشق عام 1983- ص 67 - 68

    ([6]) - (المعجم المسرحي) تصنيف د. ماري الياس ود. حنان قصاب حسن. إصدار مكتبة لبنان – بيروت- 1997 ص 498.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أغسطس 14, 2018 12:18 pm