شبابي اجتماعي ثقافي علمي


    اركان النص المسرحي

    شاطر

    مهند الباشا
    Admin

    عدد المساهمات : 115
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 09/04/2010
    العمر : 28

    اركان النص المسرحي

    مُساهمة  مهند الباشا في الإثنين أبريل 19, 2010 5:55 pm

    أركان النص المسرحي


    --------------------------------------------------------------------------------





    تأكيدها وإعادة نظر فيها








    المقدمة :-


    منذ فجر البشرية والإنسانُ يحب الحكايات. وما إن يدخلِ الطفل عالم المدركات، حتى تأخذ (كان ياما كان) صدىً رائعاً في نفسه وتفعل فعل السحر في تفكيره وإثارة انتباهه وخياله، وتظل تفعل في الإنسان هذا الفعل المثيرَ مهما بلغ من درجات العلم ومهما حُرِمَ منه. وسواءٌ كان شاباً فتياً أم كان هرماً يشكو العلل والأمراض، فإن الحكاية تجذب انتباهه وتسرقه أثناء سردها عن نفسه وأحواله. ويمكنك أن تتثبت من فعل الحكاية في الإنسان بأبسط الطرق وبشكل واقعي لا يحتمل الجدل أو المناقشة أو كثرة التحليل والتنظير. وذلك بأن تراقب مجموعة من الناس مجتمعين في مكانٍ ما لسبب ما كأن يكون حفلة عرس أو مناسبة تعزية أو جلسةَ مصالحة بين زوجين مختلفين. فما إن يأخذ أحدُ الموجودين بسرد (حكاية طريفة) حتى تجد الحاضرين - وهم من أعمار مختلفة ومن درجات ثقافية مختلفة - وقد انتبهوا عن الموضوع الذي اجتمعوا من أجله وانساقوا وراء الحكاية. أفما رأيتَ مرةً مجموعةَ المعزّين، مثلاً، يخلعون عن وجوههم ملامحَ الحزن الصادق أو المفتعل حين تُروى أمامهم حادثةٌ مثيرة أو قصة طريفة؟ ولو تمعنتَ في وجوههم لوجدت اللهفة إلى السماع تكون بمقدار جودة الراوي وحسن سرده للحكاية أو الحادثة. ولو تمعنت في وجوههم أكثر لوجدت أن درجة اللهفة واحدة متشابهة رغم اختلاف الأعمار والثقافات. فكأن الحكاية قادرةٌ قدرةً فائقةً على صهر مستمعيها في بوتقة واحدة تحوِّلهم إلى كتلة واحدة في لحظة الاستماع إليها، وقادرة على أن تغرس في نفوسهم أثرها ومغزاها بدرجة واحدة من القوة. حتى إذا تفرقوا عن مجلس الحكاية وعاد كلٌّ منهم إلى سياق حياته، عاد كلٌّ منهم إلى تحليل ما سمع. وعند ذاك يظهر تأثير الأعمار والثقافات في اتخاذ المواقف مما سمعوه وتلهفوا لتلقّيه. وأعتقد أن هذه اللهفة الإنسانية الفطرية لسماع الحكايات هي الدافع الأساسي لنشأة جميع فنون القول. فلم تكن فنونُ الأدب في عصور البشرية المختلفة وعند جميع الأقوام، شعراً أم قصة أم مسرحية، إلا مجموعةً من الحكايات التي يرويها الأدباء كلٌّ حسب طريقته. ويتلقاها المتلقون كلٌّ حسب ثقافته ومخزونه المعرفي.

    ولم يكن الشعر - وهو أقدم فنون القول - إلا وعاءً للحكايات التي انبثقت عنها الملاحم والأقاصيص الشعبية. فلما امتد الزمن بالأقوام وُجِد عند كلٍّ منها أشكال خاصة بهم يتحلَّقون حولها في مجالس سمرهم. وكانت كل قصة تُروى في عصر من العصور عند أبناء القوم الواحد، تحمل خصائص ذلك العصر كما تحمل نزعاته الاجتماعية والسياسية، وتكرِّس قيماً يفتخرون بها ويحبون أن يغرسوها في نفوس أبنائهم حتى ينشؤوا عليها. فمثلاً، نجد أن الشجاعة والشهامة والكرم والصدق والوفاء ونجدة الملهوف - وما يتفرع عنها من معان إنسانية - هي المبادئ الأساسية التي دارت حولها جميع الحكايات التي رواها العرب منذ أقدم عصور الجاهلية حتى اليوم.

    وكان القرآن أهم مصادر الحكايات عند العرب فيما اصطلح الدارسون على تسميته (قصص القرآن). وكانت هذه القصص واحدةً من أبرع وسائل الدعوة الإسلامية. ولعل أسلوب سرد هذه القصص من أبرع ما عرفه تاريخ الحكايات في العالم. ففي كل واحدة منها غرابةٌ تشدُّ انتباهَ القارئ أو المستمع. وفي كل واحدة منها "مغامرة" تثير عند أبطالها مختلفَ المشاعر الإنسانية المتراوحة بين الألم والخوف وبين الفرح والسعادة. ففي قصة يوسف تبدأ الإثارةُ منذ أن رأى أبوه الحلمَ الغريب. ثم تزداد الإثارة توهجاً حين يرميه إخوتُه في البئر ثم حين تحمله القافلة إلى مصر. ثم تمضي في حبكةٍ فاتنة وهي تصعد به من السجن إلى منصبٍ رفيع في بلاط فرعون. ثم تنتهي بأجمل النهايات حين يرتدُّ إلى أبيه نورُ عينيه. وقصةُ مريم أشدُّ غرابة وهي تستقبل الروحَ القدس الذي ينبئها بحمْلٍ غريب. وما أجمل ما ينتابها من مشاعر الخوف بهذا الحمل. أما لحظة ولادتها للنبي المرتقب فتبلغ أشد مواضع الحكاية توتراً. ثم تبلغ الحكاية ذروتها حين تشير إلى وليدها فيتكلم. ولو رحنا نستعرض قصص القرآن لوجدنا في كل واحدة منها كميةً وافرة من إدهاش القصِّ المثير الفاتن. ألم يقل القرآن، وقد صدق فيما قال، (نحن نقص عليك أحسن القصص)؟ وزاد القرآن على هذه الإثارة في مفردات حكاياته أنه كان يغير أسلوب سردها وطريقةَ تركيب وقائعها. فيأتي بها كاملةً مرةً. ويأتي بقسمها الأول مرة ثانية دون أن يتجاوزه إلى قسمها الثاني. ويأتي بقسمها الثاني أو جزئها الأخير مرة ثالثة. وفي كل مرة كان يُبرِزُ جانباً مثيراً من الحكاية أو يعيد صياغة الإثارة. فكأنه كان يصور المشهد الواحد من زاوية جديدة في كل مرة. وفي كل مرة كان يحشد في كل مشهد (لقطة) ساخنةً مثيرة. وإذا كانت غايةُ القرآن من (أحسن القصص) هذه أن يدعو إلى عبادة الله الواحد الأحد، فإنه سعى إلى أن أن يحقق هذه الغاية بجودةٍ رفيعةٍ في سرد الحكايات وبتفننٍ مذهل في أساليب سردها.

    ثم كانت سيرةُ الرسول الكريم صلوات الله عليه - وهي أهم حكاية
    عربية - حافلةً بالقيم الأخلاقية الرفيعة التي اتصف بها النبي من ناحية وأكدها رواةُ السيرة من ناحية ثانية. لكن هذه السيرة حافلةٌ أيضاً بكل ما هو مثير من الأحداث والوقائع التي تشكل - بمصطلحنا اليوم - مجموعةً من المغامرات الشديدة الصعوبة، والتي تجعلنا حتى اليوم نستعيدها بذلك الشوق المتلهف سواءٌ كنا متدينين أم لم نكن كذلك. ألا يعتزُّ العربي - مسلماً كان أم غير مسلم - بقصة نشأة النبي المثيرة وبحكايته الدرامية مع خصومه من أبناء مكة وهم الأدنَوْن قرابةً منه؟ ألا تثير العربيَّ تلك الغزواتُ التي رُوِيت لنا بأبهى صورة من صور القصِّ وجعلت النبي بطلاً شجاعاً وهو كذلك بحق، فكانت الفتنةُ به وبشخصه وبشجاعته؟ ألا نجد في غزوة حنين، مثلاً، واحدةً من أمتع القصص وأكثرها مدعاة للإثارة؟ فجيش المسلمين العرمرم كان يسير قوياً مدججاً بالسلاح مغتراً بقوته. وإذا به يشتته نفرٌ من رماة السهام. وإذا به يتبدد في لمحة عين. وإذا بقائد الجيش يصبح وحيداً. وإذا بعمِّه العباس يستنجد بقدامى المؤمنين. وإذا بهؤلاء الشجعان الصادقين يلتفّون من جديد حول القائد المهزوم. وإذا بهؤلاء القلة يستعيدون زمام المعركة. وإذا بأولئك المنتصرين يلقَوْن أشنعَ هزيمة إذ تُسبى نساؤهم وتُحتَجَنُ أموالهم ويُقضى على أكثرهم بالفناء. ألا يجد القارئ - عربياً كان أم غير عربي - حكايةً من أمتع الحكايات في هذه الغزوة المثيرة المدهشة؟

    وإذا كانت سيرة الرسول الكريم واحدة من أبرع حكايات العرب، فقد كان لهم حكايات أخرى مثيرة أيضاً ومحمَّلة بالعبرة والمغزى التي يحبون أن ينشأ أبناؤهم على ما فيها من أخلاق اعتبرها العربُ حميدةً يفتخرون بها. ولعل (قصص العرب) كانت المادة الرئيسية في مجالس السمر وفي بلاطات الخلفاء والأمراء في طول الأرض العربية وعرضها من قرطبة في الأندلس الغربي إلى سمرقند وبخارى في شرق تلك الأرض القديمة. وكان العرب طوال العصور ينتجون الحكايات التي نصنِّفُها اليوم بأنها أساطير أو ملاحم أو حكايات شعبية أو سِيَرٌ للقبائل أو قصص للعشاق. وبغض النظر عن التسميات الاصطلاحية التي وضعها النقد الأدبي، فإن مختصر هذا الكلام أن الحكاية كانت زاداً للإنسان العربي في رحلة الحياة التي يعيشها.

    ولم يكن أمرُ الإنسان غير العربي مختلفاً عن أمر العربي. وقد بدأت الحكايات عند مختلف الأقوام لبوساً للأفكار الدينية. ولعلها كانت الوسيلة الوحيدة لإقناع الناس بالمفاهيم الدينية مما يدل على عمق تمسك وتأثر الإنسان بالحكاية. فلبوذا قصة طريفة مدهشة. وقصة كونفوشيوس لا تقل طرافة عن قصة بوذا. ولم تكن أديان أوروبا قبل المسيحية أكثر من مجموعة من الحكايات المدهشة التي يجتمع فيها الغيبي الأسطوري بالواقعي. وإذا كنتَ اليوم لا تؤمن بمعتقداتها، فإنك تظل مفتوناً بأحداثها ووقائعها. فهكذا فُطِرَ الإنسان ولن تستطيع لفطرته تبديلاً.

    في هذا التاريخ العريق للحكايات كان الشكلُ الأمثلُ لسردها أن تُروى أمام جمهورٍ يسمعها مباشرة من فم الراوي. وكان الرواة يلبُّون نزعةَ سماع الحكايات عند الإنسان بتشويق يخلق عند مستمعيهم حالةً من الاندغام الجماعي الحار المتلهف الذي يلتذُّ المستمعُ حين يشعر به. وهذا الاندغام الجماعي يصهر المتلقين في حالةٍ من التوحُّد اللذيذ ومن المشاركة الوجدانية العامة التي تجعلهم وكأنهم يشربون الحكاية المرويَّةَ أمامهم بنشوة فائقة. فإذا انفضَّ مجلسُ الحكاية أخذوا يستعيدون أحداثَها ويتبادلون الرأيَ في وقائعها، ويتفقون أو يختلفون في تقييمها بين مؤيد ومعارض. فإذا حدث هذا - وكان هذا يحدث دائماً - شعروا كأنهم شاركوا في صَوْغِ الحكاية وفي قصِّها. وتلمَّست قلوبُهم وعقولُهم أحداثَها بحرارةٍ لا يمكن أن تتولد مع الحكاية المقروءة.

    وإذا كان الشعر، بعد أن ترك قصَّ الحكايات، يتشارك مع الحكاية في أنه يُروى أمام الناس، فقد ظل مترافقاً في النشأة والتأثير مع الحكايات. ومن أجواء رواية الحكايات والأشعار أمام الناس وُلِدت المسرحية. أما الرواية التي يقرؤها القارئ وحده ويستمتع بها وحده ولا يتشارك في التمتع بها مع غيره، فقد تأخرت ولادتها قروناً كثيرة. وإذا كان الدارسون يردّون وجود (الرواية) في أشكالها الأولى إلى بداية القرن السادس عشر في أوروبا وإلى أواسط القرن العاشر الميلادي عند العرب، فهم يؤكدون أيضاً أنها لم تكن في حقيقتها إلا تجميعاً للحكايات التي كانت تُروى في المجالس. فقد وجدوا أن (الحبكات الملحمية في العصور القديمة وفي عصر النهضة كانت تُبنى على التاريخ الماضي أو ما سلف من خرافة)([1]). وهذا الأمر نجده تماماً في الرواية العربية. فقد جُمِعَت عندهم مما كان يروى في المجالس. ومن ذلك، كما نعرف، حكاياتُ ألف ليلة وليلة، وسيرةُ عنترة والزير سالم والظاهر بيبرس وعشراتٌ غيرها من الحكايات المروية. وكما بدأ تجميع الحكايات العربية المروية في روايات مكتوبة بعد انتشار "التدوين" منذ أواسط العصر الأموي، فإن تجميعها في أوروبا بدأ أيضاً عندما أخذ عدد القراء يزداد عن عدد المستمعين. و(كل النقاد من هيغل حتى جون هالبرين مجمعون أن الرواية الحديثة بدأت في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر).([2])

    ولم تستطع الرواية أن تنفصل بنفسها وتخترعَ أحداثَها بنفسها دون الاعتماد على مرويّات الرواة إلا مع بداية القرن التاسع عشر عندما أخذ الأدباء يستمدون شخصياتِ رواياتهم وأحداثَها من الواقع. وهي التي يسميها الدارسون "الرواية البورجوازية". (فقد كان ممتعاً بالنسبة إلى جمهور بورجوازي أن يودَّ التعرُّفَ على نفسه في شخصية البائع العادي بين عددٍ من شخصيات الرواية)([3]). ولذلك خرج لوكاتش (بأطروحته المشهورة بأن الرواية ليست إلا ملحمة البرجوازية التي ظهرت على مسرح التاريخ في أعقاب النهضة الأوروبية، وبالتحديد بعد الثورة الصناعية التي جعلت منها الطبقةَ السائدة في المجتمعات الأوروبية)([4]).وعند ذلك أصبحت شكلاً أدبياً جديداً يبتكر موضوعاتٍ جديدة. وتأخر ظهورها عند العرب إلى بداية القرن العشرين. وذلك عندما أخذ الأدباء العرب يخترعون أحداثاً واقعية. وإذا كانت نشأة الرواية الحديثة في أوروبا تستند إلى البورجوازية التي كانت ناهضةً حتى سُمِّيت الروايةُ باسمها، فإن أول رواية عربية وهي (زينب) دارت بين أوساط الفلاحين لأن الإقطاع كان ما يزال سائداً في الوطن العربي في بداية القرن العشرين، وكان الفلاح يشكل العمود الفقري للاقتصاد.

    من هذه الإشارات السريعة لتاريخ (القصة) التي هي مدار الحكايات في تاريخ البشر نصل إلى نقطتين لا يمكن فهم (القصة في المسرح) من دونهما.

    أولاهما أن الرواية الجامعة للحكايات القديمة ثم المبتَكَرة التي أحلَّت الواقعَ محلَّ الحبكات القديمة، قضتا نهائياً على مجالس السمر التي تُروى فيها الحكايات ويتولد فيها ذلك التشاركُ الوجداني الذي أشرنا إليه. فأفقدت الحياةَ واحداً من أهم تجلياتها وهو (اللقاء الجمعي) الذي يُثبت تاريخُ البشرية أنه مطلبٌ لا يمكن للبشر أن يستغنوا عنه. ودليل ذلك أن جميع الأديان منذ القديم حتى اليوم، تقوم العبادات الأساسية فيها على (التجمع في مكان حاشد) لأن هذا التجمع يخلق وجداً دينياً عميقاً في نفوس الناس. وقد ورث السياسيون والحكماء والمصلحون هذا الإرثَ الديني فاعتمدت دعواتهم على تجميع الناس في أماكن حاشدة تخلق لهم شعوراً جمعياً يساعد دعاواهم في الانتشار لأنها تحمل حماسةَ التجمع ووجدانيةَ اللقاء الجمعي. وبهذا الشكل ندرك مدى الخسارة الإنسانية الوجدانية والفكرية التي أوقعتها الروايةُ الجامعة للحكايات القديمة.

    وثانيتهما أن الرواية الحديثة التي تخترع شخصيات واقعية وتستمد أحداثها من الواقع وتنحو نحو تصوير مكنونات الفرد الواحد، قضت على إمكانية خلق أجواء الأساطير والبطولات الخيالية. كما قضت على شيء أهم هو (بطولات الجماعات). فلم يعد بالإمكان أن يحتشد الناس في الروايات الحديثة كما كانوا يجتمعون في إلياذة هوميروس وفي غابة روبن هود وفي صحراء الزير سالم ومواقع الظاهر بيبرس. فالرواية الحديثة (فردية) في حين يحتاج البشر - كائناً ما كان عصرهم وبلدهم - إلى التلذذ بحكاية الجماعات بما فيها من حشد إنساني يحبون أن يمارسوه هم في حياتهم اليومية. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الرواية يقرؤها القارئ وحده ويستمتع بها وحده ولا يشارك في التمتع بها أحداً غيره، أدركنا مدى الخسارة التي أوقعتها الرواية في البشرية.

    لكن البشر الذين لا يستطيعون الاستغناء عن الحكايات الجمعية القديمة وعن التجمع في أماكن عامة تمنحهم الإحساس الجماعي، وجدوا في استمرار المسرحية بديلاً كافياً عن كل ما جعلتهم الرواية القديمة والحديثة يخسرونه. فكانت (القصة) في المسرحية ملتقى جميع مشاعرهم الوجدانية والإنسانية.

    2- الحكاية في المسرحية
    لقد وقفنا هذه الوقفةَ الوجيزة عند الحكاية وتاريخها لنـُزيل أوهاماً فنية ضالَّة وهي أن (القصة) ليست شيئاً أساسياً في المسرحية، وأن القصة ليست إلا وسيلةً للموضوع ووعاءً للفكرة، وأن الاهتمام بها يحوِّل المسرحية إلى مجرد تسليةٍ سرعان ما تتحول إلى أحبولةٍ لإفساد ذوقِ المتفرجين، وأن هذا الاهتمام بها يساعد الجمهورَ البورجوازيَّ على هضم العشاء الدسم الذي تناوله قبل حضور المسرحية، وأن قوامَ التجديد في المسرح - وفي المنهج البريختي على الخصوص - يقوم على تحطيم تسلسل الحكاية مما يُفقِدها إمكانيةَ جعل المتفرج (يندمج) بها وينشغل بمتابعتها عن التفكير في مراميها، وأن ذلك كله يتناقض مع مهمة المسرح في التحريض على التغيير. وشيوعُ هذه الأوهام يعني أن الفكرة النبيلة التي كانت وراء تجديد بناء المسرح العربي في النصف الثاني من القرن العشرين وعلى امتداد الوطن العربي، خالطها ضلالٌ كبير في شأن (القصة في المسرح).

    وقد سادت هذه الأغلوطةُ الفنيةُ النقدَ المسرحي منذ أواسط سبعينات القرن العشرين. وتبادلها المسرحيون يومذاك بكثير من التشدُّق ظناً منهم أنه الفهمُ الجديد لفن المسرح. وقد ساعدهم على التشبث بهذه الأغلوطة الذميمة أن المسرح البريختي يقوم فعلاً بتحطيم تسلسل الحكاية، وأن مسرحيات بريخت الأولى كانت ذات حكايات سقيمة. وأكَّد لهم هذا الضلالَ أن المسرح المتمرد على تقاليد الدراما كانت أكثرُ مسرحياته ذاتَ قصة ضعيفة، وأن بعضَ أنواع المسرح التسجيلي ومسرحَ الغضب ومسرحَ القسوة - وكلُّها انصبت في النقمة على ظلم الإنسان - لم تكن تهتم بتقديم قصة جميلة فكانت قصصها أقرب إلى أن تكون سقيمة. وأكد لهم هذا الاتجاهَ أيضاً أن مسرح العبث أو المسرحَ الطليعي أو المسرحَ المجدد الذي ينتمي إليهما يهجر القصة الجميلة، وأن قوته تقوم في الدرجة الأولى على أنه (لا شيء يحدث في المسرحية) أي أن المسرحية تخلو من القصة. ولعل مسرحيات بيكيت ويونسكو وآداموف كانت النموذجَ الأمثلَ على قوة بناء المسرحية دون الاعتماد على قصة قوية جميلة. وهكذا ارتبطت فكرةُ التجديد في البناء المسرحي بفكرة هجران القصص الجميلة. وبناءً على هذا الموقف العدائي من القصة في المسرحية هوجمت كثيرٌ من النصوص والعروض المسرحية العربية لا لشيء إلا لأنها كانت محكمةَ السرد القصصي ومحكمةَ التطوير في البناء الدرامي للقصة. وكوفئت كثيرٌ من النصوص والعروض المسرحية بجُزاف النقد المادح لأنها تركت الإحكامَ في بناء القصة المسرحية. وقد ترك ذلك أثراً على بعض الكتاب المسرحيين العرب في عقدي سبعينات وثمانينات القرن العشرين. ولكنه ترك أثراً مدمِّراً على كتاب تسعينات القرن نفسه. فإذا شفع لضعف القصة في بعض نصوص الفترة الأولى أن كُتّابها كان لهم غاياتٌ فكرية واجتماعية وسياسية تحريضية على التغيير وعلى مهاجمة الفساد والظلم هجوماً كاسحاً، فإن ضعفَ القصة في نصوص تسعينات القرن العشرين لا يشفع لـه موقفٌ فكري ولا نهجٌ سياسيٌ أو اجتماعي. فبدت شاحبةً لشحوب قصصها. وفقدت حلاوةَ السرد القصصي كما فقدت قوةَ الموقف الفكري. ومن هنا ندرك لماذا تبدو مسرحيات هذا العقد وما تلاه كأنها لا وجود لها. فلا خشباتُ المسارح تتلقفها، ولا صفحاتُ النقد تهتم بها. وعلى الكتاب المسرحيين العرب أن يحذروا الحذر كله من الجري وراء تلك الأكذوبة المسرحية التي أورثهم إياها الجيل الذي عاش في الفترة التي يسميها تاريخ النقد المسرحي العربي (فترة الازدهار العظيم). وقبل أن نأخذ في تفنيد هذه الأكذوبة وفي وضع القصة المسرحية موضعها الصحيح، أردُّ القارئ الكريم إلى نصوص الكتاب السوريين من أمثال سعد الله ونوس وممدوح عدوان ورياض عصمت وعلي عقلة عرسان ووليد إخلاصي ومصطفى الحلاج وغيرهم، وإلى مسرحيات نعمان عاشور ومحمود دياب وميخائيل رومان وألفريد فرج وغيرهم من كتاب مصر. وإذا استعاد القارئُ النصوصَ القويةَ لهؤلاء فسوف يجدها تقوم أول ما تقوم على قصةٍ قوية البناء محكمة السرد. وإذا أعمل هؤلاء الكتابُ في قصصهم قطعاً لسردها حيناً أولاً، وإذا شحنوها بالمواقف الفكرية والسياسية والاجتماعية حيناً ثانياً، وإذا زج هؤلاء الكتابُ دائرةَ اهتمام المتفرج في الجانب الفكري من مسرحياتهم دون دائرة الإمتاع القصصي حيناً ثالثاً، فقد كانوا ماكرين مكراً شديداً حين فعلوا ذلك كله من خلال قصص جميلة وحكايات فاتنة. وأسوق للقارئ - على سبيل التذكير والمثال - حكايةَ المملوك جابر الفاتنة وحكاية الملك الذي وضع غيرَه على عرشه في مسرحيتي سعد الله ونوس (رأس المملوك جابر - الملك هو الملك) وحكايةَ الرجل الذي حاكموه لأنه ترك سيفه في مسرحية ممدوح عدوان المتوترة (كيف تركت السيف)، وحكايةَ الكاتب الذي حاول إرضاءَ قيصر فما جنى إلا الغضبَ في رائعة علي عقلة عرسان (رضا قيصر)، وحكايةَ رياض عصمت المثيرة في (لعبة الحب والثورة) أو في (السندباد)، وحكايةَ درويش عز الدين المؤلمة في مسرحية مصطفى الحلاج (الدراويش يبحثون عن الحقيقة) أو حكايته العصماء في مسرحية (احتفال ليلي خاص لدريسدن). أي أن هؤلاء الذين احتلوا مكانة مرموقة في تاريخ الأدب المسرحي العربي كانوا ممن يسوقون القصص الجميلة المثيرة. ولو راجعتَ مسرحيات من سبق هؤلاء من أمثال مراد السباعي، لوجدت الفتنة كبيرةً في قصص مسرحياتهم. ولو استعرضتَ كبريات المسرحيات المصرية لبعض الكتاب الذين ذكرناهم، لوجدتَ فيها من قوة القصة وجمالها مثلَ ما وجدتَ في نصوص الكتاب السوريين.

    ***

    إن ما تقدم يعني شيئاً جوهرياً في فن المسرحية هو أن القصة فيها مقصودةٌ لذاتها قبل أن تكون وسيلةً ومطيةً لأهدافها. وعلى الكاتب المسرحي المعاصر أن يعضَّ على هذه الفكرة بالنواجذ. وسبب ذلك لا يعود إلى ما تقدم ذكرُه من اهتمام الإنسان بالحكايات فحسب، بل يعود إلى سببين هما الأكثر جوهريةً وأصالةً. وهما:

    آ- إن المسرحية هي الفن الوحيد الباقي من بين فنون القول الذي ما يزال يحتفظ بكل خصائص الفن الجمعي الذي يحتشدُ فيه الناس والذي ذكرنا أن البشر لا يستطيعون الاستغناء عنه. فهو يحقق للمتفرجين الالتقاءَ الحيَّ الذي يجعلهم يتلقون حكايته بحالة التوحُّد الوجداني. فيتشاركون في مشاهدته والاستماع إليه ثم يخرجون من قاعاته وهم يتبادلون الرأي حوله في لذة لا يقدمها لهم أي فن آخر. وقد تقول إن السينما والتلفزيون يقدمان قصصاً أمتع وأحلى وأبلغ في التأثير لما يملكان من وسائل خارقة في حشد المثيرات. وها هي الأفلام والمسلسلات التي تعرضها الشاشات الصغيرة والكبيرة اليوم قد بلغت مستوىً عالياً في تقديم الخارق من القصص والحكايات الواقعية والأسطورية والخيالية بحيث يمكن القول إن الشاشة في هذا العصر صارت ذهبية لماعة ولم تعد فضية فحسب. وهي بهذا الشكل تبدو أكثرَ قوة من المسرح ذي الوسائل المحدودة مهما بلغت صالاته من أدوات التقنية وتجهيزات الأخاديع والحِيَل. وقد يكون عرضٌ مسرحيٌ ما شديدَ الفقر فلا تزيد المرئيات فيه عن شجرة قميئة أو باب عتيق. فإذا قارن المتفرج بين ما تعرضه صالة السينما المجاورة لبيته أو التلفزيون القابع في بيته وبين ما يراه على المسرح، فسوف تبدو المقارنة في غير صالح المسرح. بل تبدو المقارنة نفسُها مضحكة لأن المقارنة يجب أن تتم بين شيئين متقاربين كالتلفزيون والسينما وليس بين شيئين متباعدين كالمسرح والسينما ووليدِها الأعورِ الدجال الذي هو التلفزيون. ومع ذلك، فإن المسرح يبدو، بوسائله البسيطة أقوى تأثيراً من فني السينما والمسرح لأنه يملك قوة لا يملكانها وهي أنه فن يشاهده (جمع إنساني متواصل) بكل ما يحفل به هذا الجمع من خصائص شرحناها. أما فن السينما، فمع أنه فن يُعرَضُ في صالاتٍ عامة ويحضره جمعٌ من الناس، فإنه يتحول إلى فن فردي بمجرد إطفاء الأضواء وبدء دوران الآلات. وليست العلاقة بين الفيلم وبين المتفرج إلا علاقةً بين صناعةٍ وبين مستخدمٍ لها. وأما التلفزيون فلا داعي لشرح علاقة مشاهده معه. فهو إنسان معزول حتى عن أفراد أسرته المتواجدين حوله. ولأن المسرح كذلك فإن لـه أساليبَه وأدواتِه النابعةَ من تركيب بنائه ومكان عرضه وطبيعة علاقته بالمشاهد. ومن المهم أن نذكر أن رجال المسرح أحسوا بالقلق والخوف حينما اكتُشِفت السينما وظنوا أنها ستقضي عليه. وحاول كثيرٌ منهم أن يستعير منها أدواتٍ يُدخِلُها إلى فن المسرح. ولكن الأمر لم يطُل بهؤلاء حتى أدركوا أن السينما لا يمكن أن تقضي على المسرح، وأن وسائلها المستعارة إليه كانت عبئاً عليه فهجروها وعادوا إلى وسائل المسرح القديمة ذاتها. وعندما طغى التلفزيون طغياناً كبيراً خاف المسرحيون - وما يزالون يخافون - من التلفزيون على المسرح أن يقضيَ عليه ويسرقَ منهم المتفرجين. وحاول الكثيرون منهم أن يستخدموا إبهارَ الصورة التلفزيونية. ومن هنا نشأ الإصرار على استخدام السينوغرافيا استخداماً واسعاً بحيث يصبح في كثير من الأحيان بديلاً عن مفردات العرض المسرحي كالنص والممثل. لكن الأيام تُثبت أن هذا اللهاث وراء تقليد الصورة التلفزيونية لم يكن أكثر من عبءٍ على المسرح. وبدأ المسرح - في العالم وفي الوطن العربي - يراجع دفاتره من جديد، ويقتنع بأن عليه أن يعود إلى أدواته الأساسية. وإذا كان المسرحيون يعودون إلى الأدوات الأصيلة للمسرح بكثير من الصعوبة والتردد، فإن ترددهم هذا يؤدي بهم إلى تأخير نهوض المسرح من جديدٍ بعد الانتكاس الذي عرفه في العالم وفي الوطن العربي منذ أواسط ثمانينات القرن العشرين. وعندما يتجرَّأ المسرحيون على العودة الصريحة الواضحة إلى أدوات المسرح الأصيلة، وهي النص والممثل، فسوف يجدون أن الجمهور يندفع إليهم بشوق ولهفة لأن الناس - كانوا وما يزالون - يسعَوْن سعياً حثيثاً نحو المسرح لأنه يحقق لهم، بأدواته ووسائله ذاتها، الالتقاءَ الجمعي الإنساني الذي لا يمكن لفن آخر أن يحققه. وسوف يكتشفون - وما أروع ما سيكتشفون - أن التلفزيون، وإن بدا خصماً لهم، فإنه ليس نِدّاً لفنهم. بل هو شيء آخر قد يأخذ من اهتمام الإنسان كثيراً من وقته ومن تفكيره. لكنه لن يكون بديلاً عن المسرح على الإطلاق. ولن يكون تأثيره كتأثير المسرح. ويا ليت المسرحيين يعجِّلون باكتشاف ذلك.

    ب - إن المسرح هو الفن الأدبي الوحيد الذي يستطيع العودةَ إلى الملاحم والحكايات القديمة والأساطير والسير الشعبية القديمة التي ما يزال كلُّ شعب من شعوب الأرض يحنُّ إلى أجواء ما هو فيها من تراثه. فالرواية أصبحت عاجزة عن هذه العودة بعدما أصبحت (واقعية) تخترع شخصياتها وأحداثها من الواقع ففقدت القدرة على التحليق في أجواء الأساطير والبطولات الجمعية وفي غرابة الأحداث والوقائع. ودليل ذلك أن الرواية عندما ضاقت بواقعيتها منذ بداية القرن العشرين وأدركت مدى جفافها عندما ابتعدت عن منابع الحكايات القديمة، حاولت أن تكسر هذه الواقعية بالخروج إلى ما يخلخل الواقعية دون أن تستطيع الفكاك منها. ومن هذه الخلخلة نشأت أنواعٌ من الرواية كالسريالية والنفسية والاستبطانية والخارجة عن النسق المنطقي لترتيب الأحداث وإلى غير ذلك مما يمكن الرجوع إليه في الكتب التي تؤرخ للرواية الحديثة، دون أن تستطيع العودة إلى خلق الأجواء القديمة. أما المسرح فهو ما يزال يملك القدرة الكاملة على العودة إلى الحكايات القديمة وإلى أجواء الأساطير والسير الشعبية والحكايات الغريبة التي تحفِلُ بأبطالٍ أسطوريين يندّون عن الاندراج في بوتقة الواقع بمقدار ما يغوصون في النفس الإنسانية في مختلف منازعها. ودليل ذلك أن الملاحم والأساطير الأوروبية ماتزال منبعاً لكثير من المسرحيات. ودليل ذلك أيضاً ذلك الكمُّ الكبير من المسرحيات العربية التي أحيت الأساطير العربية وحكايات ألف ليلة وليلة كما أحيت سيرة عنترة وملحمة الزير سالم وغير ذلك من أجواء الأساطير. والمسرح يفعل ذلك ببساطة مدهشة. ويستطيع أن يقدم إلى متفرجه هذه الحكايات القديمة بالحيوية ذاتها التي كانت تتحقق لها في مجالس السمر القديمة. وتخلق لدى المتفرجين تلك اللذة الفائقة التي كان المستمعون يشعرون بها. ومن هنا نستطيع إعادة النظر في نشأة وتطور المسرح في العالم. فإذا كان الشكل الذي نسير عليه اليوم هو النسق الأوروبي الأرسطي الذي وضع المسرح اليوناني قواعدَه، فإن لكل شعب من شعوب الأرض أشكالَه المسرحية التي أخذ اليوم يعود إليها. ففي مصر القديمة وُجِدَ شكلٌ مسرحيٌ يقول كثير من المؤرخين إنه أستاذ المسرح اليوناني. ولشعوب شرق آسيا أشكالٌ مسرحية قديمة ماتزال موجودة في مسرحهم اليوم. وقد حاول كثير من النقاد العرب أن يجد في مجالس السمر العربية وفي احتفالاتها الدينية وغير الدينية أشكالاً بدائية من المسرح. وسببُ وجود هذه الأشكال أن رواة الحكايات القديمة كانوا يحاولون روايتها بكثير من الإثارة. وهذه الإثارة تتحقق في إبداع روايتها ببراعة المتكلم الراوي، أو بمحاولة تشخيص أحداث الحكايات. وهذا يعني أن تشخيص هذه الحكايات قديمٌ قِدَمَ الحكايات نفسها. وما يزال المسرح قادراً على إحيائها وتقديمها بوسائله البسيطة تلك التي أشرنا إليها.

    إن هذا يعني قبل كل شيء وبعد كل شيء أن (القصة) في المسرحية عنصر أساسي وأصيل. وعلى الكاتب المسرحي إذا أراد أن يكون ناجحاً، أن يبذل كل العناية في تقديم القصة الجميلة الفاتنة. ويعني أيضاً أن على كتّاب المسرح العربي الذين بدؤوا يدرجون على ساحة المسرح في تسعينات القرن العشرين، أن يرجعوا عن الضلالة في التقليل من شأن القصة. وأن يرفضوا رفضاً باتاً وجازماً تلك الأكذوبة الأغلوطة التي ورثوها عن الجيل الذي سبقهم بأن القصة ليس لها كبير أهمية في المسرح. فبهذا الرجوع عن الضلال يمكن لهم أن يتقنوا فن كتابة المسرح.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 23, 2018 1:46 am