شبابي اجتماعي ثقافي علمي


    براعة فنية ورؤية اجتماعية

    شاطر

    مهند الباشا
    Admin

    عدد المساهمات : 115
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 09/04/2010
    العمر : 28

    براعة فنية ورؤية اجتماعية

    مُساهمة  مهند الباشا في الإثنين أبريل 19, 2010 6:00 pm

    براعة فنية ورؤية اجتماعية


    تمهيد في معنى الصراع المسرحي


    يكون الشارعُ في الحي الهادئ ساكناً وقد انصرف الناس فيه إلى شؤونهم لا يلفت انتباهَهم عنها شيء. وفجأة ينبثق من زاوية بعيدة فيه شجارٌ بين شخصين. وإذا بالمنشغلين يتركون ما في أيديهم ويراقبون المشاجرة بلذة خفية مادامت لا ضرر فيها. فإذا برزت السكاكين هجم بعض الشجعان لفضِّ النـزاع. فإذا جُرِّدت المسدسات قلَّ عدد الشجعان المبادرين إلى التدخل. فإذا انطلق الرصاص بادر المشاهدون إلى الهرب. فإذا وقعت الجريمة صارت مادة حديث لأهل الحي يتبادلونه بمزيج من الإثارة والتشوق واللهفة. فإذا جاءت الشرطة صارت المادة المروية أغنى في نقل الخبر وفي المتعة المرافقة لـه. وسرعان ما يتأوّل الناسُ أسباباً للشجار وما أدى إليه. وكلما كانت الأسباب ضخمة كانت أشد إثارة. فالشتيمة أقلُّ إقناعاً بالجريمة من محاولة التحرش بالزوجة أو البنت أو الأخت. والتحرش بواحدة منهن تخلق عند الناقلين للخبر والمستمعين إليه تشوقاً كأن ما جرى فيلم سينمائي مثير. وما يزال أهل الحي يحللون الأسباب وصولاً إلى النتائج دون أن يعرفوا كثيراً من الحقيقة حتى لا يبقى أحد جاهلاً بما جرى. ويعيش الحي أياماً جميلة على هذه الأخبار المتناقَلة. فإذا سمعتَ من أحدهم أسفاً على ما جرى فاعلم أنه كاذب بمقدار ما هو متمتع.

    ذلك هو الصراع المسرحي. فالمسرح نموذج أو محاكاة أو صورة للحياة. وأشدُّ إثارات الحياة هو الصراع. وما ذلك إلا لأن الحياة البشرية نفسها قامت منذ الأزل على الصراع بين الناس كما قامت على الصراع مع الطبيعة. فكانت الحروب أشد أنواعها عنفاً وقسوة لم يردعا البشرية بعد قرون متطاولة عن شرورها. وكان اختراقُ الجبال وتمهيدُ الأراضي جانباً آخر من الصراع يخلق عند الناس متعة التحدي وفرحة الانتصار. وإذا كان الصراع ضغطاً من جانب يلقى استجابة عند الجانب الآخر، فقد كان وصف الصراع المسرحي بأنه (سجلُّ الضغط والاستجابة) أدقَّ وصف لـه. ولم يكن الصراع في المسرح أجمل عناصره - وإن لم يكن أخطرها - إلا لأنه مستمد من جوهر الإنسان. فكان العنصرَ الأول الذي يتيح لك أن تقول إن المسرح محاكاة للحياة. ويحق لك بعد ذلك أن تفهم المحاكاة على أي شكل تحدّث به المؤرخون والناقدون من أيام أرسطو حتى اليوم. فهي - خلال كل تعريفات المحاكاة وتعقيدات هذه التعاريف- لا تزيد عن تأكيدٍ للصراع المسرحي الذي لا بد فيه من أناسٍ يتصارعون، ومن أسبابٍ للصراع، ومن حكاية معينة أدت إلى الصراع. ولا يزيد الأمر بعد هذا عن ذلك الشجار الذي جرى في زاوية الشارع الهادئ بعد أن يسبغ عليه الكاتب أردية الفن وأوشحة الخيال.

    تعريف الفنيَّة في الصراع


    وقد أجمعت أوصاف النقاد الجادين للصراع بأنه (علاقة صداميّة بين طرفين). وشبَّه بعضُ ظرفائهم تكوينَه بأن على الكاتب (أن يضع بطله فوق شجرة. ثم يقذفه بالحجارة طوال مدة المسرحية. ثم يُنـزِله عنها في نهايتها).

    والصراع غير الخلاف في الرأي وغير المشاحنة. وإنما هو شحنة ملتهبة تضرب المسرحية من أولها إلى آخرها وتوصل المسرحية إلى هدفها النهائي. ولعل أكمل تعريف لـه أنه (تناقض بين قوتين متكافئتين تمارس فيه الإرادةُ وعيَها. ويتجه بالقصة إلى هدفها).

    من هذا التعريف تتوضح خصائص الصراع:

    آ - أن يكون بين قوتين متكافئتين. فلا لذة في متابعة مباراة رياضية بين فريق قوي وفريق ضعيف. وقد تبدو القوتان في الظاهر غيرَ متكافئتين، كأن يكون الصراع بين رجل أعزل وبين قوة طاغية مدججة بالأسلحة. لكننا نكتشف أن الكاتب شحنهما بما يجعلهما متكافئتين. فحينما أكرهت الكنيسةُ غاليلو غاليلي على إنكار دوران الأرض حول الشمس قال بصوت خافت (مع ذلك فإنها تدور). وعند ذلك تكافأت قوة الكنيسة المسيطرة مع قوة إرادة الرجل الأعزل الفرد.

    ب - أن يكون كلٌّ من طرفي الصراع واعياً لمعركته مع الطرف الآخر. وهذا ما يشحذ الإرادة ويعمِّق الصراع ويضع الأقوال والأفعال والمواقف في إحكام التسلسل المنطقي. ولنتذكر أن المسرحية كلها قائمة على مبدأ (السببية). وإدراكُ أطراف الصراع لمواقعها يعدُّ حجرَ الزاوية في بناء المسرحية على السببية. (فأوديب) يدرك أن خصمه هو القدر. والقدر - متمثلاً بالكاهن - يعرف أيضاً ما يريد. و(هملت) يعرف أن خصمه هو عمه الملك فيحاول قتله. والملك العم يدرك أن بقاء هملت في القصر على قيد الحياة سينغص عليه عرشه وحياته الزوجية فيحاول قتله. والدكتور (ستوكمان) في مسرحية إبسن (عدو الشعب) يدرك أن خصمه هو المدينة بأسرها. والمدينة تعرف أن الدكتور ستوكمان يريد حرمانها من مشاريعها الرابحة. وكلٌّ من هذه الأطراف يصارع خصمه بوعي وإصرار عبر مجموعة من الأفعال المترابطة المؤدي بعضُها إلى بعض.

    ج - أن يرتبط الصراع بالهدف الأعلى للمسرحية وأن يوصل إليه. وبذلك يظل قائماً وقوياً من أول المسرحية إلى آخرها. ولأنه يتجه إلى هدف معين فإنه يسير في مسار محدد. فيحذف عنه الكاتب كل ما لا يخدم هذا الهدف. ويضيف إليه كل ما يخدم الهدف.

    وجمال الصراع في المسرحية أن أحد الطرفين يبدو متفوقاً على الآخر فيسمى (القوة المسيطرة المهاجمة) ويكون الثاني (مدافعاً) عن نفسه أمام الأول. فكأن الطرف الثاني واقف على حافة الهاوية وأنه سيسقط في اللحظة التالية. فتثور لذة المتابعة عند المتلقي، قارئاً للنص أم مشاهداً للعرض، خوفاً على الطرف المدافع. وتزداد لذته عندما يجد أن المدافع رغم طغيان خصمه يصمد أمامه. حتى إذا انتهت المسرحية بانتصار المدافع انفرجت أساريره. وإذا انتهت بانتصار المهاجم المسيطر ركبه الحزن اللذيذ. فالقدر أقوى من (أوديب). والكنيسة أقوى من غاليلو غاليلي. وعداءُ الأسرتين الكبيرتين أقوى من روميو وجولييت. وهؤلاء الضعاف لا يريدون التحرش بهذه القوى الطاغية. لكنها هي التي تهاجمهم وهم يدافعون عن أنفسهم. وعند دفاعهم تبرز مكامن قوتهم. فتبرز قوة الإرادة عند أوديب وغاليلي. ويتجلى الحب عند روميو وجولييت.وما أمتع متابعة هذا الصراع الذي يقف فيه الطرف المحبوب على شفا الانهيار في حين يبدو الطرف المكروه على شفا النصر طوال مدة العرض. فإذا انتصر القدر على أوديب خرج المتلقي وهو يحمل ذلك الحزن الشفيف الذي يزداد رقة وعمقاً بموت الحبيبين الشابين روميو وجولييت.

    والأمتع في الصراع أن تتبادل القوتان المواقعَ في سير الحكاية. فتبدو إحداهما مسيطرة في لحظة ثم تصبح مدافعة في لحظة أخرى. وبهذا الانتقال تلهث أنفاس المتفرجين وهم يتابعون هذا الانتقال. وهذا النوع من الصراع هو الأكثر شيوعاً في النصوص المسرحية وهو الذي يتلاعب بواسطته الكتابُ بعواطف قرائهم ومشاهدي عروض نصوصهم.

    والمتفرج في متابعة هذا الصراع ينحاز إلى أحد الطرفين. وانحيازه يعني بالضرورة تأييداً لأفكاره وقيمه التي تعرَّض للصراع من أجلها. وبهذا الانحياز يصل الكاتب إلى إيصال الهدف الأعلى للمسرحية. ولا يوجد شيء أقوى من هذا الأسلوب في غرس الأفكار والحقائق والنـزعات الإنسانية في نفوس المشاهدين والقراء. ولذلك كان المسرح أقوى نوع أدبي في الانتصار للحق والخير والجمال.

    والصراع - بخصائصه التي ذكرناها وبأنواعه وبدوره - كان يتخذ شكلين لكل منهما جمالياته ولذائذه. الأول منهما صريح واضح ظاهر يزجُّ حكاية المسرحية في الغليان. وأكثر المسرحيات تتخذ هذا الشكل لأنه يستطيع إثارة جميع الناس مهما اختلفت ثقافاتهم وبيئاتهم. ومسرحيات شكسبير وموليير وراسين وإبسن من هذا الصنف. وهو صنف ناري عاصف. وقد حفَل به الكثير من المسرحيات العربية المكتوبة في النصف الثاني من القرن العشرين. فلا نكاد نعرف الخلاف بين الخليفة والوزير في (مغامرة رأس المملوك جابر) لسعد الله ونوس حتى يزج بنا الكاتب في حومة صراع قوي واضح لا لَبْسَ فيه. ولا نكاد نرى (السجين 95) لعلي عقلة عرسان حتى يحتدم الصراع واضحاً جلياً بين ثابت ومثبوت. ومثل ذلك يحدث في (مأساة الحلاج) لصلاح عبد الصبور. فما يكاد الحلاج يدلي ببعض آرائه وأقواله حتى نكتشف طرف الصراع القوي الذي يشنه عليه بعض الفقهاء. وهو صراع مازال يحتد حتى يوصل الحلاج إلى المحكمة ثم إلى الحكم بالإعدام. وفي (ليالي الحصاد) لمحمود دياب، تبرز أنياب أهل القرية بمجرد الحديث عن الفتاة. وما يزال يتصاعد حتى ينتهي إلى المأساة.

    أما الصنف الثاني فالصراع فيه ساكن هادئ يكاد لا يظهر. فهو صراع نفسي وفكري أكثر مما هو صراع عملي. ومن هذا الصنف أكثر مسرحيات
    تشيخوف والمسرح الأمريكي الواقعي في منتصف القرن العشرين الذي كتب فيه تينيسي ويليامز وآرثر ميللر مسرحياتهما. وهو صراع يحتدم في النفوس والعلاقات الخفية بين أشخاص عقدت بينهم أواصر القرابات واختلفت بهم وجهات النظر. وهو لا يكون صراعاً مجسداً على الخشبة بوضوح وجلاء، بل يكون احتداماً في النفوس. ولا بد أن يتجلى في بعض المواضع من الحكاية. لكنه سرعان ما يرتد إلى داخل النفس. وهذا الصنف، رغم سكونه الظاهري، عميق مستمر قوي. ويحصد منه المتلقي متعة عقلية وعاطفية فائقة وإن كانت هادئة. لكنه يبدو بارداً في العرض المسرحي مهما برع الممثلون في إظهار خفاياه. وهو، لذلك، لا يكون شعبياً في العرض أو ممتعاً في القراءة إلا لقلة من الناس.

    وفي كلا الصنفين لا بد للصراع أن ينتهي إلى خاتمة هي في الوقت نفسه خاتمة المسرحية. وليست الخاتمة إلا استقراراً لـه على شكل من الأشكال. وفي لحظة انتهاء الصراع يكون الكاتب قد قدم موقفه من الحياة والعالم وأجاب على جميع التساؤلات التي طرحتها الشخصيات وألقتها إلينا الحكاية. فإذا أبقى الكاتب صراعه مفتوحاً مستمراً في المستقبل الذي يأتي بعد انقضاء زمن الحكاية، فإنه يترك للقارئ أو المشاهد أن يحسم الصراع كما يشاء. فكأنه يُبقي تساؤلاته مفتوحة عند المتلقي. لكن صراع الحكاية يكون قد انتهى وبدأ صراع جديد يكون المتفرج أو القارئ مسؤولاً بنفسه عن احتدامه واستمراره.

    ***

    هذا الوصف للصراع هو ما يمكن أن نسميه النوع التقليدي منه. وهو الذي ظل الكتاب المسرحيون طوال القرون يجوِّدونه ويطوُّرونه ويسعون إلى تحميله كل عناصر الإثارة في صعودٍ يتنامى مع تطور الحكاية. لكن القرن العشرين أجرى عليه تعديلاً بسيطاً وحاسماً. ففي المسرح الملحمي ذي الشكل الروائي، والذي يبني المسرحية على طريقة المشاهد المتتالية ولا يبنيها على طريقة المشاهد المتراكب بعضُها فوق بعض، لا يمكن تحقيق الصراع المتصاعد القوي الحازم الحاسم، بل يبدو على شكل تناقض بين الشخصية وبين العالم أو بينها وبين من حولها. ولعل (الأم شجاعة) أفضل مثال على هذا الصنف. فهي لا تصارع أحداً ممن حولها. لكنها تختلف مع الجميع لأن فكرتها عن العالم تناقض ما يجري حولها. وهذا التناقض يتم بينها وبين أقرب الناس إليها وهم أبناؤها الذين لا يصارعونها بل يختلفون معها. وهذا التناقض الدائم بين الشخصية وبين العالم هو الذي يُبرز لنا العالم على الصورة التي يريدها الكاتب.

    وتم التعديل الثاني في مسرح العبث. فلأنه لا شيء يحدث فإن الصراع لا يتولد ولا يحتدم. وتبدو الشخصيتان المتحاورتان في (انتظار غودوت) وكأنهما متفقتان. ومن خلال هذا الاتفاق الظاهري يبرز التناقض بينهما وبين العالم. فكأن البريختية والعبثية - رغم تناقض أهدافهما - تضعان الصراع في كفتين جديدتين متشابهتين. وكان هذا أمراً طبيعياً. فكلا المنهجين انبثق عن الرغبة في تحطيم الدراما التقليدية.

    إن الصراع هو النسيج الضامُّ لجميع أركان التأليف المسرحي. وهو الذي يحول أجزاء الحكاية التي تقوم بها شخصياتها، إلى عمل مسبوك محبوك مثير. وقد تغير تناول بقية عناصر التأليف المسرحي. فجرت تعديلات كثيرة على بناء الشخصية. وثار الكتاب على الحبكة وأيدهم النقاد أحياناً في الثورة عليها. لكن الصراع هو العنصر الوحيد الذي لم يتغير ولم تتبدل مظاهره. وكل ما حدث لـه أن أطرافه تغيرت وأن أنواعه ازدادت وتعمقت. فسواء كان الصراع بين البشر والآلهة، أم كان بين نبلاء القوم حين تمزقهم المصالح والرغبات، أم كان بين أشخاص يصارعهم أفراد، أم كان في أعماق النفس الواحدة، فقد ظل مسارُ الصراع في بناء المسرحية واحداً لم يتغير ويبدو أنه لن يتغير. ومهما تنوعت أساليب المدارس الأدبية واتجاهات الكتابة، فقد ظل الصراع المسرحي العصب الحساس الذي لا يمكن أن يُستغنى عنه. وشرطه الأول أن يكون قوياً ضارياً بين كفتين متوازيتين ومتوازنتين. وشرطه الثاني أن يكون صاعداً متواتراً دون تلكؤ أو استرخاء. وشرطه الثالث أن لا يغيب لحظة واحدة عن مجريات الأحداث وتصرفات الشخصيات. فإذا تخلى الصراع عن هذه الشروط الثلاثة في مشهد أو موقف، وقع ذلك المشهد أو الموقف في وهدة الضعف والتراخي. فيقعان مباشرة في الإملال. أما إذا افتقد النص المسرحي كله هذا العنصر الحار فلا شيء قادر على إحياء النص حتى إن اكتملت لـه بقية العناصر.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أبريل 26, 2018 6:19 pm